image_pdfimage_print

البشرية ممتنة لكل العظماء من ذاع صيته ومن عمل في الخفاء، ممتنة لكل من أدار عجلة العلوم بكده ومثابرته ومسامرة الكتب ساعات وساعات، وصموده أمام الظروف التي قد تكون لصالحه تارة وضده تارة، وقد تكون قاسية بل مميتة، صمود لرفع راية العلم ونشر رسالته النبيلة على الأرض. نصير الدين الطوسي واحد من هاته النخبة النجيبة، هو عالم موسوعي له العديد من الإنجازات الهائلة في مختلف المجالات العلمية كالفلك والرياضيات والطب والموسيقى والمنطق والفسيولوجيا والفلسفة والأدب والجغرافيا و علم اللاهوت، وهو مؤسس مرصد المراغة الشهير الذي يعد من أكبر المراصد الفلكية في تاريخ الحضارة الإسلامية. 

سيرة مختصرة لحياة الطوسي

الاسم الصحيح للعالم نصير الدين الطوسي هو “محمد بن محمد بن الحسن الطوسي”كان معروفا بالعديد من الأسماء ك “المحقق الطوسي” و”الخواجه يي الطوسي”، ولد سنة 1201م  بطوس وهي مدينة تقع بالقرب من مشهد في شمال شرق إيران امتدادا إلى نهر الكشاف. ولد الطوسي في بداية القرن الذي شهد الفتوحات في كل أنحاء العالم الإسلامي. كان عصر القوة العسكرية العظمى “التتار” المغول التي اجتاحت حينها مناطق شاسعة من العالم الإسلامي، كانت فترة الفوضى والصراع ما شوش فكر العلماء وسمح للقليل منهم بمتابعة أبحاثه.

تتلمذ نصير الدين الطوسي على يد عمه الذي درسه مواضيع مختلفة شملت المنطق، الفيزياء والميتافيزيقا، كما تلقن علم الرياضيات “الجبر  والهندسة” على يد مدرسين آخرين. حظي الطوسي بنظام تعليمي غني أثر بشكل عميق على تطوره الفكري وجعل منه شخصية مخضرمة بامتياز.

بعد إنهاء الطوسي لدراسته تلقى دعوة من ناصر محتشم محافظ الإسماعيلية فرحل إلى كويستان استجابة للدعوة، وبها نال تأييدا واحتراما كبيرين بين الإسماعليين نظرا لحصافته و أفكاره البليغة. ومع مرور الوقت توترت هاته العلاقة فوُضع تحت المراقبة بقلعة الموت لمدة 22 سنة، فقضى ظرفا قاسيا  لكن حبه للعلم كان أقوى من هاته المعاناة فأنتج حينها أهم أعماله في علم الفلك والفلسفة والمنطق ومجالات علمية متعددة.

سنة  1256م  هزم هولاكو الإسماعليين فاستعاد نصير الدين الطوسي حريته ليصبح مستشارا لقاض التتار، كما حصل على إذن من هولاكو وشيد مرصد المراغة. توفي الطوسي سنة 1274م ببغداد، لكنه ما يزال خالدا بمساهماته الفكرية والسياسية وشخصه العظيم في الثرات العلمي الإسلامي في القرن الذي شهد فارقا هائلا في التاريخ.

* بعض كتب نصير الدين الطوسي:

   .تحرير كتاب أصول الهندسة لإقليدس

nasir din atoussi

www.wdl.org

يعرف باسم “تحرير الأصول لإقليدس” وهو رسالة في التقاليد الإقليدية العربية للهندسة، كتاب مشهور ذو مضمون علمي قيم اتستخدم في العالم الإسلامي وعرف نجاحا كبيرا لجودة محتواه وارتكازه على الهندسة الإقليدية. درس “أصول الهندسة لإقليدس” لطلاب باعتباره مسارا رئيسيا للدروس الهندسة بالعالم الإسلامي.

.رسالة ” بيست باب دار معرفة أسطرلاب (عشرون باباً في معرفة أسطرلاب)

First pages of Bist bab dar ma'rifat-i asturlab, Istanbul, Suleymaniye Library, Ayasofya, MS 2620.

الصفحة الأولى لبيست باب دار معرفة أسطرلاب ، اسطنبول، مكتبة السليمانية

(بيست : عشرون بالفارسية)

هذا الكتاب للطوسي في مجال الأسطرلاب واحد من أعماله المستعملة للدراسة والتدريس بالمؤسسات التعليمية العثمانية وهو رسالة في عشرين فصلا.

 ـ التذكرة النصيرية لعلم الأحياء

التذكر النصيرية أو مذكرة علم الفلك واحد من أكثر المؤلفات تأثيرا في علم الفلك وهو كتاب مكون من أربعة فصول تكشف عن المبادئ العامة لعلم الفلك للقراء العاديين. اعتمدت التذكرة النصيرية في المدارس العثمانية والمدارس الدينية الإيرانية كما أنه مايزال محافظا على شعبيته إلى يومنا هذا.

نصير الدين الطوسي مثال للإنسان الحديدي الذي لم تكبله قيود الظروف وثار ضدها ليصنع المجد ويمت خالدا. تميز باختلاف ميولاته بين ما هو علمي وما هو أدبي، وقد دفعني ذلك للختم بمقتطف شعري للشاعر أبو القاسم الشابي :  وقـالت لـي الأرضُ  لمـا سـألت: أيــا أمُّ هــل تكــرهين البشــرْ؟

أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح     ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ

وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ        ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ

هــو الكــونُ حـيٌّ، يحـبُّ الحيـاة       ويحــتقر المَيْــتَ، مهمــا كــبُرْ

المراجع: 1 ، 2


الكاتب: الحسن طالبي
المدقق اللغوي: وفاء السبكي